ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

105

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

وقال الحسن . ما الدابة الجموح ( 1 ) بأحوج إلى اللجام الشديد من نفسك ومجاهدة النفس على أربعة أوجه القوت من الطعام والغمض من المنام والحاجة من الكلام وحمل الأذى من جميع الأنام فيتولد من قلة الطعام موت الشهوات ومن قلة المنام صفو الإرادات ومن قلة الكلام السلامة من الآفات ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات . وقال بعضهم إن النعيم لا يدرك إلا بترك النعيم . وقالت امرأة العزيز ليوسف عليه السّلام بعد ما ملك خزائن الأرض يا يوسف إن الحرص والشهوة صير الملوك عبيدا وإن الصبر والتقوى صير العبيد ملوكا قال الله تعالى إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ . قال بعضهم سلام على الماء البارد في الدنيا . لعلي لا أحرمه في الآخرة . قال رجل لعمر بن عبد العزيز متى أتكلم قال إذا اشتهيت الصمت . قال فمتى أصمت قال إذا اشتهيت الكلام . وقال أمير المؤمنين عليه السّلام من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ولا يمكن دفع النفس عن الشهوات ما لم تمنعها من التنعم بالمباحات فإن النفس إذا لم تمنع بعض المباحات . طمعت في المحظورات فمن أراد حفظ لسانه عن الغيبة والفضول فحقه أن يلزم السكوت إلا عن المهمات ولا يتكلم إلا بحق فيكون سكوته عبادة وكلامه عبادة لأن الذي يشتهي به الحلال هو الذي بعينه يشتهي به الحرام فالشهوة واحدة وقد وجب على العبد منعها عن الحرام فإن لم يعودها الاقتصار على قدر الضرورة في الشهوات غلبته الشهوة فإن النفس تفرح بالتنعم في الدنيا وتركن إليها وتطمئن بها أشرا وبطرا حتى تصير ممتلئا به كالسكران الذي لا يفيق من سكره وذلك أن الفرح بالدنيا سم قاتل . يسري في العروق فيخرج من القلب الخوف والحزن وذكر الموت وأهوال يوم القيامة قال الله تعالى وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ ( 2 ) وقال تعالى اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ إلى قوله وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ ( 3 )

--> ( 1 ) جمع الفرس : استعصى وتغلب على راكبه . ( 2 ) الرعد 28 . ( 3 ) الحديد 20 .